عبد الله بن أحمد النسفي

166

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 2 ] فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( 2 ) عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ من لابتداء الغاية متعلق بمحذوف « 1 » أي هذه براءة واصلة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم ، كما تقول كتاب من فلان إلى فلان ، أو مبتدأ لتخصّصها « 2 » بصفتها والخبر إلى الذين عاهدتم ، كقولك رجل من بني تميم في الدار ، والمعنى أنّ اللّه ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين ، وأنه منبوذ إليهم . 2 - فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فسيروا في الأرض كيف شئتم ، والسّيح : السير على مهل ، روي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناسا منهم ، وهم بنو ضمرة وبنو كنانة ، فنبذ العهد إلى الناكثين ، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاءوا لا يتعرّض لهم ، وهي الأشهر الحرم في قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ « 3 » ذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها ، وكان نزولها سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان ، وكان الأمير فيها عتّاب ابن أسيد « 4 » ، وأمّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر على موسم سنة تسع ، ثم أتبعه عليا راكب العضباء « 5 » ليقرأها على أهل الموسم فقيل له : لو بعثت بها إلى أبي بكر ، فقال : ( لا يؤدّي عني إلّا رجل مني ) فلما دنا علي سمع أبو بكر الرّغاء ، فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما لحقه قال : أمير أو مأمور ؟ قال : مأمور ، فلما كان قبل التّروية خطب أبو بكر وحثّهم على مناسكهم ، وقام عليّ يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : يا أيها الناس إني رسول رسول اللّه إليكم ، فقالوا : بما ذا ؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ، ثم قال : أمرت بأربع ، أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلّا كلّ نفس مؤمنة ، وأن يتم إلى كلّ ذي عهد عهده ، فقالوا عند ذلك : يا علي أبلغ ابن عمك أنّا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه

--> ( 1 ) زاد في ( ز ) وليس بصلة كما في قولك برئت من الدين . ( 2 ) في ( ز ) لتخصيصها . ( 3 ) زاد في ( ز ) فاقتلوا المشركين . ( 4 ) عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس ، أبو عبد الرحمن ، وآل أموي ، قرشي مكي ، من الصحابة ، من أشراف العرب في صدر الإسلام ، أسلم يوم فتح مكة ، واستعمله النبي عليه السّلام عليها عند خروجه إلى حنين سنة 8 ه ، وبقي عليها عهد أبي بكر وولد عام 13 ق . ه ومات عام 13 ه وبعض المؤرخين يذكر أنه عاش واليا إلى أواخر عهد عمر ( الأعلام 4 / 199 ) . ( 5 ) العضباء : ناقة مشقوقة الأذن ، وهو أيضا لقب ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم تكن مشقوقة الأذن ( مختار الصحاح ) .